صوت السويد-لم تعد السويد، التي كانت تُعرف لفترات طويلة بأنها ملاذ للمهاجرين الباحثين عن فرص جديدة، كما كانت. ففي خطوة مثيرة للجدل، أُجبرت عائلة مهندس يعمل لدى شركة “فولفو” العملاقة للسيارات على مغادرة البلاد، بعد أن أصبح ابنها المراهق ضحيةً لقانون جديد يهدف إلى ترحيل الشباب. تُلقي هذه القصة المأساوية، الضوء على التداعيات الإنسانية والاقتصادية غير المقصودة لسياسات الهجرة المتشددة، وكيف يمكن أن تؤثر القوانين الجديدة على حياة أفراد وعائلات ساهموا بالفعل في الاقتصاد والمجتمع السويدي.
قصة مأساوية في قلب صناعة السيارات السويدية
تُعدّ شركة فولفو للسيارات، التي تتخذ من مدينة غوتنبرغ السويدية مقرًا لها، رمزًا للهندسة والابتكار السويدي. وتعتمد الشركة بشكل كبير على المواهب الدولية لجلب الخبرات اللازمة لقطاعاتها المختلفة، بما في ذلك الأبحاث والتطوير. وفي قلب هذا المشهد، كانت تعمل عائلة لأكثر من عقد من الزمان. والدٌ مهندس متخصص، وأم، وابن مراهق نشأ في السويد وتعلّم في مدارسها، واندَمج في مجتمعها. عاشت العائلة حياة طبيعية، وساهم الأب بخبرته في تطوير منتجات “فولفو”، وقدموا جميعًا ما هو متوقع من أي عائلة تقطن في بلدٍ ما.
ولكن، تحطمت حياتهم الهادئة عندما تلقت العائلة إخطارًا رسميًا يفيد بضرورة مغادرتهم البلاد. لم يكن القرار يتعلق بالمهندس نفسه أو زوجته، بل كان بسبب ابنهم الذي بلغ عامه الثامن عشر مؤخرًا. بمجرد أن أتمّ الابن سن الرشد، أصبح خاضعًا لقانون جديد يفرض على المراهقين الذين قدموا إلى السويد ضمن تصاريح الإقامة العائلية أن يتقدموا بطلب تصريح إقامة خاص بهم. ولسوء حظ العائلة، لم يستوفِ الابن الشروط الصارمة لهذا القانون، مما أدى إلى رفض طلبه وإلغاء تصريح إقامة عائلته بالكامل. وصفت العائلة هذا القرار بأنه “مدمّر”، مؤكدين أنهم يشعرون بالضياع بعد أن بنوا حياتهم كلها في السويد.
تفاصيل “قانون ترحيل المراهقين”: النية والعواقب غير المتوقعة
يُطلق على القانون الجديد اسم “قانون ترحيل المراهقين” (Teen Deportation Law) أو “القانون المُنظّم للحدّ من تصاريح الإقامة المؤقتة للمراهقين”. تم تشريع هذا القانون بهدف معالجة قضايا الهجرة المعقدة، وربما كان يستهدف حالات معينة من المراهقين الذين يدخلون البلاد عبر طلبات لجوء أو حالات أخرى معقدة. لكن، وعلى الرغم من النوايا المحتملة، فإن صياغته الشاملة وتطبيقه الصارم لم يفرقا بين حالة وأخرى. وبدلاً من أن يُطبّق على فئة معينة، أصبح يشمل فئات لم تكن مستهدفة في البداية، بما في ذلك أبناء العمال المهرة من خارج الاتحاد الأوروبي الذين يُعدّون عنصرًا حيويًا للاقتصاد السويدي.
ينصّ القانون بشكل أساسي على أنه بمجرد بلوغ الشاب سن 18 عامًا، يجب أن يُثبت أنه قادر على إعالة نفسه اقتصاديًا أو أن لديه خطة دراسية واضحة ومُعتمدة تُثبت أنه يستحق الإقامة بشكل مستقل. وبالنسبة للكثير من المراهقين، وخصوصًا الذين لا يعملون بدوام كامل أو ليس لديهم عقود عمل، يُصبح تحقيق هذه الشروط أمرًا شبه مستحيل. فبعد أن كانت إقامتهم مرتبطة بوضع والديهم كموظفين في شركات سويدية، أصبحوا الآن يُعاملون كأفراد مستقلين، مما يُعرّضهم لخطر الترحيل. هذا التحول القانوني يُظهر فجوة كبيرة بين أهداف القانون المعلنة والآثار الفعلية التي يُحدثها على أرض الواقع، مما يترك العائلات في حالة من عدم اليقين والقلق المستمر.
العواقب الاقتصادية والاجتماعية على السويد
تثير قصة عائلة مهندس “فولفو” تساؤلات جدية حول مستقبل سياسة الهجرة السويدية. فشركات كبرى مثل فولفو تعتمد على جذب أفضل المواهب العالمية. وعندما تُفاجأ عائلة موظف مهم بقرار ترحيل كهذا، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية للغاية إلى العمال المهرة المحتملين في جميع أنحاء العالم. لماذا يختار مهندس أو عالم موهوب السويد كمحطة لمسيرته المهنية، إذا كان يعلم أن مستقبله ومستقبل أسرته قد يُهدد بقوانين لا تأخذ في الاعتبار مساهمته وقيمته الاقتصادية؟
عبرت “فولفو” عن دعمها الكامل لموظفها، وأبدت استياءها من القرار الذي سيجعلها تخسر موظفًا ثمينًا. إن خسارة العقول والمواهب الماهرة ليست مجرد خسارة فردية، بل هي خسارة للمؤسسات وللاقتصاد الوطني ككل. تُؤكد هذه الحادثة أن السياسات المتشددة للهجرة، على الرغم من أنها قد تُلبّي بعض الأجندات السياسية، يمكن أن تُلحق أضرارًا بالاقتصاد، وتُعيق قدرة الشركات المحلية على المنافسة في سوق عالمي يعتمد على العقول المبدعة والخبرات المتخصصة. كما أن هذه القوانين تُولّد عدم استقرار اجتماعي، وتخلق شعورًا بالظلم لدى العائلات التي اندمجت بشكل كامل في المجتمع السويدي.
دعوة لإعادة النظر في القوانين
تُعدّ قصة عائلة مهندس “فولفو” بمثابة جرس إنذار للسلطات السويدية. إنها تُبرز الحاجة المُلحة لإعادة النظر في القوانين التي تؤثر بشكل غير عادل على العائلات التي ساهمت في بناء المجتمع والاقتصاد السويدي. فبينما تسعى الدول إلى تنظيم الهجرة، يجب أن تُبقي في الاعتبار الجانب الإنساني والبعد الاقتصادي، وأن تضمن أن قوانينها لا تُعرّض الموظفين المهرة وأسرهم لخطر الطرد غير المبرر. إن المستقبل الاقتصادي لأي دولة يعتمد على قدرتها على جذب أفضل المواهب والحفاظ عليها، وهذا لن يحدث إلا عبر سياسات هجرة عادلة ومدروسة….المزيد
كاتبة المقال
لينا نور
صحفية ومترجمة
مؤسسة صوت السويد الاعلامية
للتواصلlinanour@alswedalyom.com
ترحيل عائلة مهندس فولفو, قانون ترحيل المراهقين في السويد, فولفو والعمال , الهجرة إلى السويد, سياسات الهجرة السويدية, قانون الإقامة المؤقتة,السويد, غوتنبرغ, فولفو للسيارات, قانون الهجرة السويدي, ترحيل قسري, عائلة مهاجرة,انون المراهقين, تداعيات قانون الهجرة,هجرة الكفاءات,استقطاب المواهب الدولية, اقتصاد السويد,سوق العمل السويدي.


